لبنان والأيادي القطرية البيضاء

مع زيارة رئيس الجمهورية اللبنانية ميشال عون إلى دولة قطر، تُفتح صفحة جديدة في سجل العلاقات الإيجابية بين البلدين. فلطالما اتّسمت العلاقة بين الدوحة وبيروت بالودّ والإيجابية والاحترام المتبادل، وقد كان للأيادي القطرية البيضاء دور أساسي في دفع هذه العلاقة نحو مزيد من التمتين. فالقيادة القطرية حرصت منذ البداية على مدّ جسور العلاقة مع جميع الأطراف، والنأي بنفسها عن الدخول في الاصطفافات السياسية والخلافات بين اللبنانيين. والعلاقة كانت على الدوام ثابتة وراسخة مع الدولة ومؤسساتها أياً كان الطرف الذي تبوّأ سدة الحكم. هذا الواقع شكل جواز عبور أساسي لنجاح قطر في مساعيها لمساعدة اللبنانيين ووأد الفتنة بينهم، فكان الترحيب بهذه المساعي من جميع الأطراف، وهو ما مهّد الطريق للتوصل لاتفاق الدوحة عام 2008 بقيادة وتوجيه سمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني. هذا الاتفاق الذي أعاد ترتيب البيت اللبناني الداخلي، وأبعد عن اللبنانيين شبح حرب أهلية جديدة لاحت شرارتها من بعيد، وحال دون استيقاظ فتنة مذهبية، خاصة أنه أعقب أحداث 8 مايو حين سيطر حزب الله وحلفاؤه بقوة السلاح على مدينة بيروت وعدد من المناطق. فشكل اتفاق الدوحة مخرجاً للأزمة بانتخاب العماد ميشال سليمان رئيساً للجمهورية وتشكيل حكومة وحدة وطنية، أعادت الأمن والاستقرار، وشكلت صمّام أمان مازالت مفاعليه سارية حتى يومنا هذا. ولعلّ الكلمات التي قالها رئيس مجلس النواب نبيه بري في جلسة إعلان اتفاق الدوحة خير معبّر عن الدور الذي قامت به قطر "لم تتسع مساحة لبنان لجمعنا، وفعلت ذلك طائرة قطرية وفندق في الدوحة قائم على بحر يعيدنا إلى بحر وحدتنا وعنفواننا، فشكراً لقطر، وشكراً لأميرها".

الأيادي القطرية البيضاء تجاه لبنان لم تكن سياسية فقط، فالعالم كله يشهد على الدور الأساسي الذي قامت به قطر لإعادة إعمار ما دمره العدوان الإسرائيلي على لبنان عام 2006، والعالم كله يتذكر حضور سمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني إلى الضاحية الجنوبية لبيروت بعد ساعات من وقف القصف الإسرائيلي على المنطقة، في الوقت الذي كان أبناء الضاحية يلملمون جراحهم ويجمعون ما تبقى من حاجياتهم. زيارة سموه -التي كانت أولّ زيارة يقوم بها زعيم عربي- لم تكن فقط لمعاينة الدمار الذي خلّفه العدوان، بل كذلك سبباً لكسر حصار جوي سعت إسرائيل لفرضه على لبنان بعد وقف عدوانها.

اللبنانيون لا ينسون كذلك، الزيارة التاريخية التي قام بها سمو الأمير الوالد إلى قرى وبلدات جنوب لبنان عام 2010 لتدشين المشاريع التي موّلتها قطر لإعادة إعمار ما دمره العدوان الإسرائيلي بتكلفة زادت عن 300 مليون دولار. لقي سموّه استقبالاً شعبياً وسياسياً حافلاً، تسلّم خلالها مفاتيح عدد من البلدات، وعمّت أرجاء لبنان لافتات الشكر لدولة قطر والترحيب بأميرها.

اليد القطرية البيضاء لم تبتعد عن لبنان يوماً، وكانت آخر إسهاماتها في ديسمبر من العام 2015، حين نجحت الوساطة التي قامت بها قطر في إتمام عملية تبادل للأسرى اللبنانيين أدت لتحرير ستة عشر عسكرياً، وبشهادة رئيس الحكومة تمام سلام "كانت الوساطة القطرية عاملاً حاسماً في إنجاح العملية".

الزيارة التي يقوم بها العماد ميشال عون إلى قطر هي الثانية منذ انتخابه رئيساً بعد زيارة المملكة العربية السعودية، وهي مؤشر واضح على المسار الإيجابي الذي تخطوه العلاقة بين البلدين، وكذلك العلاقة بين لبنان ودول مجلس التعاون.

سيعجبك أيضا
تعليقات الأعضاء
0 :التعليقات
أضف تعليق
تنبيه هام: يؤكد موقع جريدتك اليوم أنة غير مسؤل عن صحة أو مصداقية هذا الخبر حيث تم نشرة نقلأ عن المصدر المشار إلية في المادة الإخبارية وأنة لا يتحمل أي مسؤلية قانونية أو أدبية قد تنتج عن أضرار ناجمة عن هذة المادة الإخبارية