"في سوق السبايا" لدنيا ميخائيل .. حكايات موجعة في مزيج ما بين الشعر والسرد والريبورتاج

كتبت بديعة زيدان:

استطاعت الشاعرة العراقية دنيا ميخائيل، أن توثق عبر صفحات كتابها "في سوق السبايا"، الصادر عن دار المتوسط في إيطاليا، مرتدية عباءة العمل الإعلامي، وبما يتقاطع مع نفس سردي يراوح ما بين القصة القصيرة والرواية، حكايات الأيزيديات وغيرهن من الناجيات من موت نهائي، بعد ميتات جسدية عديدة باغتصابات وضرب وعنف على يد "الدواعش" من جنسيات مختلفة، علاوة على ما تركته تجربة "السبي" المؤلمة، ولا تزال، داخل نفوسهن، وهو ما انعكس على شكل بكاء هستيري أو صامت بين فينة وأخرى، وخوف وهلع رغم الوصول إلى "برّ الأمان"، وكوابيس لا تنتهي.

عبد الله الذي بات مع الوقت منقذاً لـ"سبايا" القرن الحادي والعشرين، ومنهن قريبات له، وجارات سابقات، وساكنات كن في حي لم يعد فيه أحد في سنجار وغيرها .. عبد الله الذي كان في الأصل مربياً للنحل، أنقذ عشرات السبايا في طريقه لإنقاذ أخته .. "كلّ يوم أنقذها، وأنا أنقذ ملكة من الملكات اللواتي يسمّونهن سبايا"، قال.

في هذا الكتاب حكايات نساء هربن من "داعش"، وقليل من رجال خرجوا من خنادق حفرت مقابر لهم، وأطفال سيكبرون مع ذكرياتهم المتشظية والغريبة.

نادية التي بيعت، حسب قائمة أسعار "السبايا" لدى "داعش" بخمسة وثمانين دولاراً أميركياً، روت حكايتها المؤلمة كباقي الحكايات، ومما جاء فيها: أخذني مع أطفالي الثلاثة إلى بناية من أربعة طوابق في منطقة سدّ تشرين. كان رجلاً من الشيشان، يتحدث العربية الفصحى ... هددني بأنه سيأخذ مني أطفالي إن لم أفعل كل ما يطلبه. كلما أمرني أن أستحم، كنت أعرف مقصده، وألبيه لأتجنب الأذى لي ولأطفالي الذين هم بأعمار ستة وخمسة وسنة. كان يغتصبني أمامهم، وفي بعض الأيام، كان وأصدقاؤه يتبادلوننا كالهدايا فيما بينهم، بموجب اتفاق مؤقت، ليوم أو يومين، يسمونه "إيجار".

كوجو أشارت بدورها إلى أن "زوجها المفترض" أو "مالكها الداعشي" بمعنى أدق، كان يبرر "اغتصابها" بأنه جزء من "العبادة"، وتتذكر: كان يأمرني بالصلاة قبل الاغتصاب، ثم تسرد:

مضت عليّ سنة، وأنا مع أسيرات أخريات في مواجهة الوحوش في بيت بمنطقة دير الزور السورية. تعرضنا الى الاغتصاب والضرب، اضافة الى اجبارنا على خدمتهم في الطبخ والتنظيف وغسل ملابسهم .. في النهار يأخذون أسلحتهم ويخرجون، وفي الليل يعودون وينظمون مجالس لتعاطي المخدرات وتلاوة التراتيل الدينية، وحينها نعرف بأن موعد اغتصابنا اقترب، كانوا يصوروننا عاريات بهواتفهم النقالة، وقبل أن يبدؤوا الدرس الديني يستعرض كل منهم سبيته للآخرين، لعله يستبدلها مع غيرها.

وحسب شهادة نادية فإن الروتين اليومي لداعش، هو تعاطي المخدرات، وقراءة الأناشيد الدينية، والذهاب إلى القتال ثم العودة واغتصاب النساء .. قالت: هربت عدة مرات، ولم أنجح، فعاقبوني بأن اغتصبوني اغتصابا جماعيا ومتواصلا حتى فقدت الوعي.

وما بين قصة هيام التي نجت بأعجوبة من السبي وحكاية كلوديا المسيحية التي تزوجت مسلما قتل على يد داعش بعد أن تنكرت لهما أسرتاهما ووقعت "سبية" في يد سفيان "البشع"، هناك الكثير من الحكايات التي لا تنتهي بحكاية الفتاة جميلة التي رغم نجاتها من داعش إلا انها أنهت حياتها بنفسها بعد أن علمت أن من كان قد تقدم لخطبتها وقرر الزواج منها تخلى عنها وتزوج بأخرى قبل شهر من انعتاقها.

ومما يميز كتاب دنيا ميخائيل "في سوق السبايا" أنه كتب بلغة رشيقة شديدة الحساسية لا تخلو من رنين شعري أحيانا يتسلل من بين الكلمات، ومن شعر حقيقي يحاكي الألم المتكدس في الكتاب ومن نثر يلامس، كما أسلفت، سردا إبداعياً أقرب إلى القصة أو في مجموع الحكايات الواردة فيه الى الرواية.

وكانت صحيفة الواشنطن بوست الأميركية وصفت الكتاب بأنه "عمل رائع بصوت شعري استثنائي، خلف مفارقات من الدمار والجمال الباهر"، بينما قال روبرت استيورت في مقال عن الكتاب بمجلة نيولترز الأدبية "دنيا ميخائيل في هذا الكتاب، تنقل الأحداث العالمية بأصالة وذكاء يجعلانها صوتا شعريا جوهريا ونادرا بحق".

بدوره قال الناقد العراقي حاتم الصكر عن "في سوق السبايا" : بجانب توثيقه للحظة شديدة الدراماتيكية والحزن في تاريخ العراق والعالم، فإن كتاب دنيا ميخائيل يقدم نموذجا للكتابة الجديدة العابرة للأنواع، والمازجة بين تقنيات الشعر ومستلزمات السرد وعناصر الريبورتاج والتحقيق المباشر، حيث كونت الكاتبة مما سمعته من الضحايا مسرحا لتلاقي الشعر والواقع في انصهار أليف وموثر.

في كل يوم على مدار سنة كاملة قص عبد الله للكاتبة حكاية حقيقية عن "سبية" أنقذها، أو أخفق في إنقاذها.

كانت ميخائيل تدوّن، لكنها بعد عام من الاستماع الى قصص قالت إنها "لم تقتلها"، وبعد عشرين عاماً من الغياب عن بلدها العراق، تقرر العودة لتلتقي بأولئك الواقفين على حواف مقابر جماعية تضم عظام جدات لم يصلحن كسبايا وأحفادهن الملتصقين بهن، ورجال فصلوا عن عائلاتهم، وكأن لسان حالها وما رصدته ودونته يقول بأن العنف "متوفر ورخيص كالهواء في كل مكان، والألم موجود كذلك في كل مكان، إنما ألمنا يوجع أكثر".

سيعجبك أيضا
تعليقات الأعضاء
0 :التعليقات
أضف تعليق
تنبيه هام: يؤكد موقع جريدتك اليوم أنة غير مسؤل عن صحة أو مصداقية هذا الخبر حيث تم نشرة نقلأ عن المصدر المشار إلية في المادة الإخبارية وأنة لا يتحمل أي مسؤلية قانونية أو أدبية قد تنتج عن أضرار ناجمة عن هذة المادة الإخبارية