الساعة بـ70 جنيه والحسابة بتحسب.. تجربة داخل أول غرفة مخصصة للفضفضة فى مصر.. تكلم مع شخص غريب دون الكشف عن هويتك.. أصحابها يعلنون: لسنا...

"نحتاج بين الحين والآخر أن نبوح بأوجاعنا لشخص غريب كى يحملها ويرحل، وأنا بحاجة لأن أحكى أوجاعى لشخص غريب فى قطار" عبارة ينشرها الشباب على مواقع التواصل الاجتماعى بحماسة مصحوبة بأمنياتهم أن تتاح لهم الفرصة ليفعلوا ذلك، لكن ماذا إذا أتيحت لهم الفرصة ليفعلوا ذلك؟

قبل أيام أعلنت واحدة من صفحات ترشيحات الأماكن الترفيهية فى مصر عن افتتاح مكان جديد فى القاهرة، يسمح لك بالفضفضة لشخص غريب عنك، مع إمكانية إخفاء ملامحك بقناع ترتديه خلال الجلسة، مقابل 50 جنيها لجلسة مدتها نصف ساعة و70 جنيهًا للساعة. موضحين أن من يسمعونك ليسوا أطباء نفسيين ولا هو مكان للعلاج وإنما مساحة لـ"الفضفضة" دون قيود أو ملل.

لم تحمل تعليقات الشباب على الفكرة الحماسة نفسها التى يتبادلون بها العبارة السابقة، فقد رحب البعض بالفكرة ورأوها "لطيفة" إلا أن النصيب الأكبر من التعليقات كان بانتقادها، بين من كتبوا أسماء أصدقائهم المقربين طالبين منهم أن يشكروهم لأنهم يسمعونهم طول الوقت دون مقابل، ومن تحدث عن شكوكه بشأن الحفاظ على سرية هذه المعلومات ومخاطر التعرض للابتزاز بالمعلومات التى يتم الإدلاء بها خلال الجلسات.

انتقدت بعض التعليقات أيضًا أن الشخص الذى يسمع الشكاوى أو الفضفضة ليس متخصصًا وأبدوا تخوفهم من الآراء التى يمكن أن يقدمها شخص غير متخصص.

هذا الجدل حول الفكرة دفعنا للاقتراب منها أكثر، خاصة أنهم أعلنوا افتتاح المكان بالفعل يوم 4 مايو، تواصلنا مع مؤسسى المكان إلا أنهم طلبوا تأجيل التصوير أو إجراء مقابلات صحفية بعد إتمام إعداد المكان بالكامل، ولكن حين تواصلنا معهم عبر "واتساب" باعتبارنا زبائن نريد حجز جلسة فى أقرب وقت ممكن. تم تحديد الموعد خلال يومين وتوجهنا لزيارة المكان بالفعل فى فيلا بمنطقة الشيخ زايد، واخترنا أن تسمعنا فتاة.

تحمل الفيلا من الخارج لافتة تعلن عن المكان، وتجد نفسك بعد خطوات بسيطة أمام الباب الذى يجاوره عدد من أقنعة الحفلات التى علقوها إلى جوار الباب لتستخدم أحدها قبل الدخول، أن أحببت أن تحتفظ بخصوصيتك أو كنت تخجل من الفكرة، ولكن نظرًا لأن العاملين بالمكان كانوا يقفون بالخارج لم أجد جدوى لاستخدامه لأنهم رأونى بالفعل باعتبارى أحد زبائنهم.

بعد الدخول من الباب يمكنك الوصول بسهولة إلى غرفة الفضفضة، وهناك أمامك خيارين إما الجلوس مع الشخص الذى يسمعك فى مكان واحد أو يجلس كل منكما فى مكان منفصل مع جدار بينكما لتحكى دون أن يراك أو تراه. اخترت الجلوس وجهًا إلى وجه مع إحدى الفتيات التى ترتدى قناعا ووصلت خلال دقائق من دخولى إلى الغرفة حاملة عبوة مشروب غازى وابتسامة لطيفة.

وعلى كرسى "بين باج" مريح كانت البداية صعبة بعض الشيء خاصة حين تحاول الحكى دون أن تكشف عن شخصيتك، فيما كانت الفتاة تبتسم بلطف من وقت لآخر للتشجيع على "الفضفضة" مع التأكيد على أنها "تفهم" ما أقول.

وحين التقطت هاتفها وقربته إليها أكدت أنها لا تسجل الجلسة ولكنها تريد أن تنتبه إليه لو تلقت اتصالاً من أسرتها.

خلال النصف ساعة تبادلنا الحديث، بدأت بالحكى وطلبت منها إبداء رأيها فى ما أقول وأن تخبرنى بما تفعله لو كانت فى مثل هذا الموقف وكانت تحاول الإجابة بالتصرف الذى تراه صحيحًا ويمكن أن تقوم به لو كانت فى هذا الموقف.

بعد الجلسة سددت تكلفة النصف ساعة، غادرت المكان بعد أن سألونى عن أية ملاحظات أريد إبدائها عن المكان.

فى وقتٍ لاحق تواصلنا من جديد مع أصحاب المكان الذين أكدوا أنهم بصدد إجراء تعديلات عليه، وأنهم يحاولون التواصل مع أخصائيين نفسيين يستمعون إلى العملاء بدلاً من الأشخاص العاديين.

انتهت التجربة ولكن ظلت لدينا الكثير من التساؤلات حولها، تحديدًا تساؤلات للمتخصصين فى علم النفس حول جدوى مثل هذه الجلسة وفكرة التخفى خلف قناع للتعبير عن أنفسنا والحديث عن مشكلاتنا.

نقلنا التجربة إلى الدكتورة هالة حماد استشارى الطب النفسى التى اعترضت بشدة على الفكرة وقالت "دا نظام مصاطب" وأضافت: هذه عشوائية فى الطب والعلاج النفسى وانتشاره يسبب لنا مشاكل أكبر مما عندنا بالفعل فى المجتمع.

تابعت: عندما استعين برأى شخص فى مشكلة واجهتها فى حياتى يحتاج معلومات كاملة عنى تساعده على تكوين فكرة صحيحة عنى، فكيف يكون هذا الشخص الذى يسمعنى فكرة صحيحة من دون معلومات كاملة؟ هذا إلى جانب جهلى بالشخص الذى يتحدث معى، لا أعرف هل هو شخص ذو حكمة وخبرة أم لا؟ ما هى دراسته؟ وماذا قرأ عن علم النفس. هذه مهاترات تضر أكثر مما تنفع لأن تعليقات هذا الشخص الذى يسمعنى قد تدفعنى لاتخاذ قرارات لا نضمن أن تكون صائبة.

وتساءلت: ما الفرق بين هذا المكان وبين مجموعات الفضفضة على فيسبوك؟ فى الحالتين هويتنا نخفيها ومن يرد علينا غير متخصصين.

كذلك الدكتورة أسماء عبدالعظيم، استشارى العلاج النفسى استنكرت الفكرة وقالت "هذه كارثة وفكرة مرفوضة تمامًا" وأوضحت: عندما نحكى مشكلاتنا لشخص غير مؤهل لتقديم النصيحة يسبب فجوة فى حل المشكلات ويتسبب فى تفاقمهما. وأشارت إلى أن الحديث لشخص لا نعرفه غير مفيد على الإطلاق لأن العلاقة بين الطبيب والمريض وثقة المريض فى الطبيب تؤثر بنسبة 40% على نجاح العلاج، حتى فكرة صديق القطار تكون مبنية على رؤية الشخص لجاره فى القطار وشعور بالراحة تجاهه، فنحن لا نحكى لكل شخص نجلس أمامه فى القطار وإنما نحكى لمن يحدث بيننا وبينه قبول أو تعارف.

استنكرت أيضًا استخدام أقنعة للحديث عن المشاكل وقالت: هذه الطريقة تعلم الهروب وعدم المواجهة، لا يمكن أن نرتدى قناعًا كلما يحدث لنا موقفًا سخيفًا نريد الحديث عنه، والمعالج النفسى يدرب من يلجأ له على مواجهة المشاكل وليس الهروب منها، بالتالى هذه الطريقة تجعلنا أشخاصا انسحابيين ليس لدينا قدرة على المواجهة ونعتاد دور الضحية.

سيعجبك أيضا
تعليقات الأعضاء
تنبيه هام: يؤكد موقع جريدتك اليوم أنة غير مسؤل عن صحة أو مصداقية هذا الخبر حيث تم نشرة نقلأ عن المصدر المشار إلية في المادة الإخبارية وأنة لا يتحمل أي مسؤلية قانونية أو أدبية قد تنتج عن أضرار ناجمة عن هذة المادة الإخبارية