إيقاع المشاعر

إذا كنا جميعاً نعرف جيداً إيقاع الطبلة ويطربنا ويشاركنا لحظات الفرح والبهجة ونتراقص معه باختلاف ثقافاتنا ومجتمعاتنا فلا بد أن أذكر أن الطبلة أصبح لها مهرجان دولى يشارك فيه العازفون من جميع دول العالم، كما أنشئت لها مدارس عديدة فى القاهرة، والطرافة أن من يلتحقون بها بعضهم مهندسون وأطباء ومحاسبون من الجنسين، فالفن والإبداع لا يقف عند مرحلة عمرية ولا دراسة متخصصة.

أحدثكم الْيَوْمَ عن الإيقاع الذى نعيشه جميعاً منذ أن نزرع فى أرحام أمهاتنا حتى آخر لحظات لنا فى هذه الدنيا دون أن نتعرف عليه أو ربما نلاحظه فقد تسرق جماله منا الأيام وتغطى على صوته ضوضاء الحياة. إيقاع المشاعر الذى أدركته وأحببته مع أول دقة سمعتها وأنا أرى جزءاً من جسدى ومشاعرى ينبض ويتحرك ويغوص ويطفو ويتجول ويختبئ فى صمت ثم بصورة موسيقية على شاشة الأشعة التليفزيونية لأتعرف وأنتظر وصوله وأحتضنه وأدلله وأطعمه ويصبح الابن والحبيب والصديق. ولا عجب فى أن يظل هذا الإيقاع من أهم ما أملك من مشاعر وقد نضجت مشاعرى وكبرت وأنا أنتظر إيقاع خطوات أبى من صغرى لينتفض قلبى وأعدو لأرتمى فى أحضانه ومعه دون شك خطوات أمى، ففى طفولتنا ننتظر دائماً رائحة أحبتنا وأنفاسهم وخطواتهم التى تسبقهم فى الحضور بلحظات وكأنها تعطينا جرس تنبيه للمشاعر. وعندما نكبر ونعيش قصص الحب والانتظار والارتباط فإننا نؤرخها عادة بإيقاع أول دقة فى القلب له رنين مختلف ومن مستوى علو أو خفوت هذا الإيقاع القلبى نحدد استمرار أو نهاية قصة الحب التى قد تبقى معنا إلى نهاية العمر ويتخللها سماع إيقاع طبلة ودف وزفة تعلن تحولها إلى حياة كاملة مليئة بالإيقاعات المختلفة السريعة والبطيئة التى قد تكون مفرحة أو العكس. وقد أحببنا وعشنا جميعنا قصص الحب والاندماج والاختيار على صوت أشهر المغنين وهم يبحثون وسط كلمات الشعراء وإبداعاتهم عن إيقاع القلوب ووسط ألحان الموسيقيين وإيقاع السلم الموسيقى لنحلم ونرقص معها وننتظر وتهفو قلوبنا إلى لحظات اللقاء، ولعل أقرب مثال ما كتبه مؤخراً (تامر حبيب) من كلمات سحرت المصريين فى أغنيته (3 دقات) فما تحدث عنه من خلال كلمات الأغنية هو الترجمة الحقيقية لإيقاع المشاعر التى أعنيها فى حديثى لكم. وكلمة إيقاع لها معانٍ عديدة ومختلفة فهناك الإيقاع الموسيقى الذى أصبح له مؤخراً قسم فى أكاديمية الفنون مستقل للدراسة والتميز وهو لدراسة الأوزان الموسيقية وإدماجها أو فصلها وتحديدها. ومعه إيقاع المعنى، أى بناء الألحان الغنائية وكذلك بندول الإيقاع، الآلة التى تستخدم عن الوقت من خلال تكات أو ضربات تحدد موقع النقلة الموسيقية. أما الفعل منه وهو (أوقع) فله معانٍ مختلفة تماماً حيث تطلق نفس الكلمة على إحدى حركات المصارعة الحرة وفنون القتال عندما يلقى بالخصم الواقف أرضاً، ويقولون أوقع فلان بالأعداء أى بالغ فى قتالهم، وأوقع الرعب فى قلبه أى أخافه، أما أوقعه فى المصيدة فتعبر عن سقوط الخصم، وأوقع به الدهر تعنى جعله يعيش فى وطأته وشدته، وأوقعه فى الخطأ أى أضله وخدعه، أما إذا أوقعه فى شباكه فمعناها أغراه.

وهكذا يدخل الإيقاع حياتنا منذ أن يكتب موعد وتاريخ ميلادنا وأسمائنا ومحل الميلاد واللقب واسم الأم حتى يستمع إليه المحيطون بِنَا لحظة خروجنا منها وإيقاع قلوبنا يخفت شيئاً فشيئاً على جهاز المونيتور وتظل عيونهم معلقة بشاشته وآذانهم مترقبة وتتمنى أن لا يختفى هذا الصوت (الإيقاع) لأنه الدليل الوحيد على بقائنا أحياء إلا أنه صاحب التوقيع النهائى فى حياتنا وهو من يضع بانسحابه كلمة النهاية.

الكاتب : خديجة حمودة
سيعجبك أيضا
تعليقات الأعضاء
تنبيه هام: يؤكد موقع جريدتك اليوم أنة غير مسؤل عن صحة أو مصداقية هذا الخبر حيث تم نشرة نقلأ عن المصدر المشار إلية في المادة الإخبارية وأنة لا يتحمل أي مسؤلية قانونية أو أدبية قد تنتج عن أضرار ناجمة عن هذة المادة الإخبارية