تجارة «جلينكور» على كل الجبهات .. تقودها إلى قفص الاتهام

نيل هيوم وديفيد شيبارد وهنري ساندرسون من زيورخ

في مدينة سويسرية هادئة على بعد 30 كيلومترا من زيورخ، تقع إحدى الشركات التي تُبقي الاقتصاد العالمي في حالة حركة، وتورد المواد الخام التي تمس كل جانب من جوانب الحياة العصرية، من الهواتف المحمولة إلى السيارات والنفط.

منذ إنشائها قبل 44 عامًا، أصبحت شركة جلينكور أكبر مجموعة لتجارة السلع في العالم، إلا أن ذلك جلب معه سمعة سيئة، وجلب هذا الأسبوع اهتمام وزارة العدل الأمريكية بالتحقيق في الرشوة والفساد الذي يعتقد البعض أنه سيضطر المجموعة التي مقرها سويسرا إلى تغيير نموذج عملها.

فضلاً عن كونها شركة تعدين كبرى، فهي الوسيط النهائي، حيث تنقل ملايين الأطنان من السلع في جميع أنحاء العالم، وتربط موردي المواد الخام – غالبًا في البلدان النامية – بالمستهلكين في البلدان الغنية وسريعة النمو، وتحصل على رقاقات رفيعة من الهوامش على الأحجام الكبيرة من خلال ذلك.

على أن ما يميز شركة جلينكور عن نظيراتها بالفعل، هو شهيتها للمخاطرة، وفي بعض الأحيان الضغط على حدود ما هو مسموح به في الاقتصاد العالمي الحديث.

الملياردير إيفان جلازنبيرج مديرها التنفيذي، الذي ساعد على توسيع عمليات الشركة في 50 بلدا، مستعد للذهاب إلى مجالات يخشى الآخرون الدخول فيها. ويشمل ذلك بعض أفقر البلدان وأكثرها فسادًا في العالم.

يقول أحد محامي التعدين: "عندما تصدر وزارة العدل أمر استدعاء كهذا، لا بد أنهم يصدقون أن هناك شيئًا ما. هم يبحثون عن تعاملات تثير الريبة".

شركة جلينكور، المدرجة في لندن، لديها رسملة سوقية بحدود 63 مليار جنيه استرليني، وتبني المناجم، وتبرم صفقات النفط والغاز في بعض الولايات القضائية الأكثر تحديا، حيث تدعم نفسها لإدارة المخاطر السياسية والتقلبات الكامنة في البلدان النامية.

هذا النهج في العمل يجعل جلازنبيرج، وهو محاسب ولد في جنوب إفريقيا واشتهر بلسانه السليط، وفريقه من النواب الرئيسين، أثرياء بشكل مذهل، لكنه جعل الشركة أيضًا هدفاً للأجهزة التنظيمية.

يوم الثلاثاء الماضي، أمرت وزارة العدل الشركة بتسليم الوثائق والسجلات المتعلقة بالفساد المحتمل وغسل الأموال ذات الصلة بالشركة، في بلدان تشمل نيجيريا وفنزويلا وجمهورية الكونغو الديمقراطية على مدى أكثر من عقد، حيث تحققت أسوأ المخاوف من المصرفيين والمساهمين والمحللين.

يقول بن ديفيس من شركة ليبروم للوساطة المالية في لندن: "الأمر لا يتعلق بحقيقة أنها يمكن أن تواجه غرامة لا يستهان بها فحسب، بل كذلك قلق الجميع بشأن الأشياء الأخرى غير المريحة لديهم".

إذا قررت وزارة العدل المضي قدما في التحقيق، وهو ما يقول المحللون والمحامون إنه أمر محتمل، فقد تتعرض شركة جلينكور لغرامة كبيرة أو حتى تقام عليها قضية جنائية، اعتمادا على نتيجة التحقيق.

يمكن أن تواجه الشركة أيضًا عملية مراقبة تدخلية من جانب وزارة العدل، التي يمكن أن تحد من قدرتها على القيام بالأعمال في بعض أجزاء من العالم.

يقول مايك كوهلر، أستاذ القانون المتخصص في قانون الممارسات الأجنبية الفاسدة في الولايات المتحدة: "يغلب على هذه التحقيقات أن تدوم في المتوسط من عامين إلى أربعة أعوام. ينبغي لنا ألا نتوقع انتهاء موضوع التدقيق في شركة جلينكور في المستقبل القريب".

نشأت شركة جلينكور على يد مارك ريتش وشركاه، الذي كان مؤسسها (الذي تحمل الشركة اسمه) فقد كان بمنزلة الأب الروحي لتجارة السلع الحديثة. خارج الصناعة، اشتهر بالفرار من الولايات المتحدة لتفادي لوائح اتهام فيدرالية تتعلق بتجنب الضرائب والتجارة مع إيران، قبل أن يتم العفو عنه بشكل مثير للجدل من قبل الرئيس بيل كلينتون عام 2000.

اتخذ جلازنبيرج استراتيجية ريتش، ثم صقلها وجعلها أكثر قبولا للمستثمرين، قبل أن يضخم عملياتها إلى حد كبير. كانت هذه خطة حولت شركة جلينكور إلى شركة عملاقة طرحت أسهمها للاكتتاب العام عام 2011، لكنها لم تخسر تماماً طابعها المشاكس. إن حدث أي تغيير، فهو أن شركة جلينكور أصبحت أكثر ثقة بنفسها، من ذي قبل.

يقول دانيال أمان، مؤلف كتاب عن ريتش: "عندما يتعلق الأمر بالسرعة والمجازفة واغتنام الفرص، فهذا جزء من بنية الشركة".

أصبحت العقوبات أداة مفضلة للولايات المتحدة لتوسيع نفوذها خارج حدودها، خاصة عند التعامل مع البلدان الغنية بالموارد الطبيعية. وبسبب تخوفها من تعطيل الاقتصاد العالمي، حاولت واشنطن بشكل أساسي استخدام العقوبات كوسيلة لاستهداف الأفراد والشركات بدلاً من قطع الإمدادات عند المصدر.

في هذه المنطقة الرمادية اشتمَّت شركة جلينكور فرصة لكسب الأرباح في قيامها بالتصرف، في بعض الأحيان، كجسر يربط الشركات الخاضعة للعقوبات بالأسواق الدولية.

وفي حين أن شركة جلينكور تقول دائما إنها تعمل في إطار القانون، إلا أن الاستراتيجية المربحة للغاية جعلت الشركة مرئية تماما في أنظار واشنطن.

في العامين الماضيين، شاركت في عدد من الصفقات والإعلانات التي لم تمر مرور الكرام في أنظار السلطات الأمريكية. من المحتمل أن يكون أجرأ عمل هو ما قامت به شركة جلينكور مع أكبر مساهم فيها، هي إبرام صفقة في كانون الأول (ديسمبر) 2016 لشراء حصة بحجم 20 في المائة في شركة روسنفت - التي كانت خاضعة للعقوبات بسبب القضية الأوكرانية - من الدولة الروسية.

من أجل جهوده في هذه الصفقة، حصل جلازنبيرج على وسام الصداقة الروسي من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، إلى جانب قدرته على الاستفادة من ملايين البراميل من نفط شركة روسنفت، المملوكة للدولة.

سيعجبك أيضا
تعليقات الأعضاء
تنبيه هام: يؤكد موقع جريدتك اليوم أنة غير مسؤل عن صحة أو مصداقية هذا الخبر حيث تم نشرة نقلأ عن المصدر المشار إلية في المادة الإخبارية وأنة لا يتحمل أي مسؤلية قانونية أو أدبية قد تنتج عن أضرار ناجمة عن هذة المادة الإخبارية